مشكلتنا اليوم أننا نكرر أخطاءنا لأننا لم نحسم بعد سؤالا جوهريا: ما هوية المعركة التي نخوضها؟ إنها معركة وطنية لاستعادة الدولة، وليست معركة لتكريس نفوذ هذا الطرف أو ذاك، ولا لتصفية الحسابات أو فرض مشاريع طائفية ومناطقية وفئوية على حساب الوطن والمواطن.
إن معركتنا الحقيقية يجب أن تكون ضد كل قوة تسعى إلى الهيمنة على مقدرات البلد، وفرض إرادتها بالقوة، وتقويض فكرة الدولة الوطنية التي تتسع للجميع وتحمي حقوق الجميع.
قد نختلف حول شكل الدولة، بين الوحدة والانفصال والفيدرالية، وهذه خيارات سياسية يمكن الحوار حولها والاتفاق بشأنها أو الاختلاف عليها. لكن ما لا يمكن القفز عليه هو أن تحقيق أي مشروع سياسي لن يكون ممكنا دون استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون أولا.
كيف يمكن للجنوبيين تحقيق تطلعاتهم في ظل تعدد المشاريع وتنازع القوى، وإصرار كل طرف على فرض نفوذه واعتبار نفسه وحده صاحب الحق في تمثيل الجنوب وقيادته؟ وكيف يمكن للشمال أن يستعيد دولته بينما يصر الحوثي على احتكار السلطة، وتصنيف الآخرين بين أعداء ومرتزقة، وفرض مشروعه بالقوة؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف المشاريع، بل في محاولة فرضها بالقوة، وفي تحويل الخلاف السياسي إلى صراع على النفوذ والسيطرة. وهنا تتخادم القوى المتصارعة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتطيل أمد الفوضى وتضعف فرص قيام الدولة التي يدعي الجميع أنهم يسعون إليها.
ولن ينقذنا التدخل الخارجي، ولا الرهان على السلاح، ولا توسيع دائرة الكراهية والمناطقية والطائفية. فهذه الأدوات قد تمنح طرفا تفوقا مؤقتا، لكنها لا تبني وطنا مستقرا، ولا تحقق أمنا دائما، ولا تضمن للمواطن حياة كريمة.
حتى لو انتصر طرف على آخر، سيظل الوطن هو الخاسر الأكبر، وسيبقى المواطن يدفع ثمن صراعات لم تجلب له سوى الموت والدمار والفقر وتراجع فرص الحياة.
إن استعادة الدولة الوطنية ليست بديلا عن تطلعات الجنوبيين أو الشماليين، بل هي الشرط الضروري لتحقيقها. فالدولة العادلة هي التي تتيح للجنوبيين التعبير عن خياراتهم السياسية بحرية، وللشماليين استعادة حقهم في دولة تحترم مواطنتهم، وتضمن للجميع المشاركة والحقوق والكرامة، بعيدا عن الإقصاء والهيمنة.
آن الأوان أن ندرك أن الوطن لا يمكن أن يستقر بمشاريع صغيرة تتنازع السيطرة عليه، ولا بعقليات ترى في الاختلاف تهديدا، وفي المناطقية والطائفية والعنصرية وسيلة للحشد والانتقام.
معركتنا اليوم يجب أن تكون معركة استعادة الدولة، وبناء المؤسسات، وترسيخ المواطنة المتساوية، وإنهاء احتكار السلطة والثروة والسلاح.
فهل نمتلك الشجاعة لمراجعة حساباتنا، ونتقدم خطوة نحو بناء الدولة التي تتسع للجميع، بدلا من الاستمرار في صراعات لن تنتج إلا مزيدا من الدماء والانهيار؟
إن لم نتفق على دولة تحمينا جميعا، فسنظل نتقاتل على وطن لا يستطيع أحد منا أن يحكمه أو يستقر فيه وحده.
الأكثر قراءةً
الأكثر تعليقاً
-
وزير الخزانة الأمريكي يوجه تحذيرًا عاجلًا للشعب الإيراني قبل الشتاء
-
«ستكون عملية كبيرة».. مسؤول أمريكي يكشف تفاصيل الهجوم المرتقب على إيران
-
أنباء عن مقتل القيادي البارز في فيلق القدس الإيراني عبدالرضا شهلائي و4 خبراء عسكريين بغارة جوية في اليمن
-
بيان من البرلمان المصري يكشف نسبة المصوّتين على قرار تفويض السيسي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى السعودية
-
ما حكم الشراء بالتقسيط مع زيادة ثمن السلعة بحسب مدة سداد الأقساط؟.. الإفتاء تجيب
-
أزمة مبابي تتصاعد في الصين.. إلغاء عقود الرعاية وتعليق بث مباريات "لا ليغا"
-
لامين جمال يخرج عن صمته بعد خسارة الكرة الذهبية للعام الثاني تواليا








