حُسمت الأقدار منذ خمسة قرون حين قامت القيامة!!!!!
الساعة 11:32 صباحاً

الآن، تدور الأخبار حول هروب المغاربة إلى إسبانيا وسط استنفار الاتحاد الأوروبي. ومن مضحكات القدر أننا لو جمعنا جيش طارق بن زياد وجيش موسى بن نصير، لكان عددهما أقل من نصف عدد المغاربة الذين دخلوا إسبانيا يوم أمس! هربًا —ليس من الحرب، كون المغرب العربي مستقرًا مقارنة بدول الاحتراق— وإنما من صعوبة العيش، ورغبةً في العبور إلى الضفة الأخرى بحثًا عن "الجنة" وراء المضيق. وهذا هو حال العرب والمسلمين؛ فلو فُتح الباب لباقي أبناء المنطقة للاختيار بين الهجرة إلى مكة والمدينة المنورة أو إلى الغرب، لهرَب الجميع إلى الغرب دون تفكير أو تردد؛ لأنهم على قناعة بأن المنطقة لم تعد تزرع بصيص أمل للمستقبل، والكل يعيش حياة ترقب وانتظار وكأنهم في يوم المحشر، لا يدرون ما مصيرهم!

خلال الشهور الأخيرة، تابعت أخبار الكويت حيث جُرّد الكثير من السكان من الجنسية حتى الجد الثالث، ولم يقل أحد "الكويت كبيرة في قلوبنا ويجب أن نحتضن الجميع من ابنائها"، بينما في الغرب أصبح أبناء المهاجرين وزراء وفي مقدمة المشهد السياسي؛ من عمدة لندن إلى حاكم نيويورك، وقبلهم رئيس وزراء اسكتلندا، ووزراء في كندا وألمانيا وحتى الرئيس الامريكي ترامب فهو ذو اصول المانية والرئيس الفرنسي السابق وغيرها. كما تابعت انهيار قطاعات عدة في الإمارات بسبب استهداف الحرب لها، وتابعت القصف الإيراني لدول المنطقة.. ولو قيل لي قبل عشر سنوات إن كل هذا سيحدث، لقلت إن الكوارث تتمدد أمامنا بالفعل.

وهنا ترجع بي الذاكرة؛ فقد كنت قد قررت العودة إلى اليمن، وبدأت بالفعل في إرسال أسرتي لنستكشف كيف سيكون الوضع. كان ذلك في عام 2014، وعقب اندلاع حرب اليمن عام 2015، كانت أسرتي مقيمة في صنعاء، وقد استقر الأطفال هناك في المدرسة. وقبل اندلاع الحرب بـ 48 ساعة، طفت مؤشرات تفيد بأن هناك استهدافًا للمطارات، مما جعلني أقرر في التو واللحظة التوجه للسفر ليلاً. وأذكر أنني ودّعت الوالد —رحمة الله عليه— وهو لا يعلم أنني سأخرج بآخر طائرة إلى إسطنبول؛ تركت الأسرة لأنني كنت أظن أن المعلومة قد تكون غير دقيقة. اندلعت الحرب وتوقفت المطارات، وبسبب القصف، طلبت من الأسرة في صنعاء نقل الأطفال إلى تعز، ومع اتساع رقعة الحرب هناك، اتصلت بهم لينتقلوا إلى القرية في (بني حماد - الحجرية)، بينما ظل الوالد والوالدة والإخوة في صنعاء؛ "على قولتهم" هناك حياتهم. كان هدفي تجنيب الأطفال الآثار النفسية نتاج الخوف والقلق الذي قد يرافقهم طوال حياتهم.

لكن الحرب امتدت إلى القرى أيضًا، وفي النهاية قررت إجلاء أسرتي إلى ألمانيا بعد ذلك بأسابيع قليلة. تواصلت مع السفارة الفرنسية في جيبوتي بحكم أنها تمثل ألمانيا هناك، وكانت الموظفة الفرنسية في غاية التعاون؛ إذ قالت: "سنشكل خلية عمل لتسهيل إخراجهم إلى جيبوتي". ولكن مع تزايد الخطورة في منطقة البحر الأحمر، قالوا: "نحن نضمن الأسرة إذا وصلوا إلى "المخاء" وحُدّدت السفينة". غير أن الصراع كان قد وصل إلى المخاء أيضًا، مما يعني أن طريق جيبوتي لم يعد آمنًا للأطفال.

في الوقت نفسه، تواصلت مع السفارة الألمانية في الرياض لتأمين الأسرة، وكانوا على تواصل مستمر معي، وطلبوا أن تبقى الأسرة في القرية لحين ترتيب طائرة إجلاء، مع تنبيهي بعدم العودة أو الدخول إلى اليمن، مؤكدين أن إجلاءهم أصبح مسؤوليتهم. وفعليًا، في اليوم الثالث اتصلت بي السفارة في الرياض وقالوا: "لتتحرك أسرتك الآن مباشرة من القرية إلى صنعاء وبحقائب صغيرة فقط، لأن طائرة تابعة للأمم المتحدة ستهبط في مطار صنعاء، وسيتوقف القصف لمدة يومين بناءً على تفاهمات معينة".

تحركت أسرتي من الحجرية إلى صنعاء، ومنها إلى المطار، حيث كانت طائرة الأمم المتحدة بانتظارهم ونقلتهم إلى الخرطوم. وهناك، كانت موظفة السفارة الألمانية في استقبالهم مع بعض الأعضاء في المطار، وكانوا مهتمين بكل صغيرة وكبيرة. وما إن نزل الأطفال وزوجتي في المطار حتى تواصلت معي الموظفة الألمانية، وكان الوقت ليلاً (حوالي الساعة الثامنة)، مما يعني أنهن كُنَّ يعملنَ في عمل إضافي خارج أوقات الدوام. حجزت السفارة الألمانية تذاكر على الخطوط القطرية من الخرطوم إلى الدوحة ومنها إلى فرانكفورت على نفقة الخارجية الألمانية. وقبل الإقلاع، اتصلوا بي مجددًا ليؤكدوا أن الأسرة ستصل فرانكفورت عند الساعة العاشرة صباحًا.

كل هذا التنسيق تم في بدايته فقط عبر التواصل بالبريد الإلكتروني والهاتف مع السفارة الفرنسية في جيبوتي والسفارة الألمانية في الرياض. (علماً بأن السفارة الألمانية كانت قد وضعت خيارًا بديلًا عبر منفذ "الطوال"، وسلّمت سلطات المنفذ أسماء الأسرة وبيانات من سيكون بانتظارهم). المهم، أرسلت رسالة تقدير وامتنان للموظفات على اهتمامهن وتأمين الأسرة ومن قام بالعمل، وكانت تلك نهاية المراسلات بيننا.

بعد أسابيع من وصول الأسرة، خرجتُ مع ابنتي الكبيرة (وكانت حينها في الصف السابع)، وقلت لها بشيء من التباهي و"الفشخرة": " ألا استحق أن تشكريني لأنني أخرجتكم بطائرة من قلب الحرب؟" (وتماديتُ في التباهي أمامها بينما كانت هي منزعجة مني أساسًا). فنظرت إليّ وقالت: "بابا.. أنا لم أولد في اليمن بل في ألمانيا، ولم أكن أعرف حتى كيف أتحدث العربية بطلاقة! أنت وأمي اتخذتم قرارًا دون أن تتحدثوا معنا وإرجاعنا إلى اليمن، وبعدها بـ 10 أشهر اندلعت الحرب. بابا.. أنت تعرف بلدك وتاريخها المحموم بالصراعات والحروب والأزمات، وأنه كل بضع سنوات تقع كارثة، لماذا أخذتنا إلى بلد مثل اليمن يمر بحروب وصراعات وأزمات؟ بابا.. أريد أن أفهم!".

أمانة الله، لقد صعقتني بكلامها. ولا زلتُ كلما مررتُ أمام ذلك المكان في مركز المدينة يذهب فكري إلى ذلك اليوم من عام 2015، حين كانت طفلة في قمة غضبها. ولم أستطع حينها إلا أن أقول: "فعلاً.. لكل أجل كتاب". فقد حُسمت الأقدار منذ خمسة قرون؛ حين قامت القيامة في الدنيا، وحُشر الناس على جانبي مضيق جبل طارق، وقُرئ كتاب الحضارة من أوله، ثم حصدت كل أمة ما كسبت يداها وعقولها. فالشعوب التي وراء المضيق ذهبت إلى جنان هذه الدنيا بالمعرفة، والعمل، والمحاسبة، والعدالة، تجري في أرضها مئات الأنهار في أوروبا، وكندا، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وأستراليا. بينما شعوبنا على الضفة الأخرى ذهبت إلى جحيم الدنيا وما زالت فيه حتى الآن. فشيوع الفقر، والجهل، والفساد، والطائفية والمحسبوية، وانتشار ثقافة التبريرات للفشل، والتسلط، والقتل، وانتهاك كرامة الإنسان؛ ليس مجرد سبب في الصراعات، بل هو ترجمة حرفية لها. قد يكون السبب الوحيد هو ذلك الخلل القديم الدائم، المتمثل في أن القيامة قامت وراء المضيق منذ خمسة قرون، وبموجب ذلك صرنا نحن في جحيم المعاناة والانتظار.. وبالأخير يسألونك: أين الحل؟!

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص

الأكثر قراءةً

الأكثر تعليقاً

كاريكاتير

بدون عنوان